ومن القلم رفيق: فنون الكتابة في التعامل مع الفقد
بقلم نصرى العدوي
عندما نفقد شخصًا عزيزًا، قد تمنحنا القوانين إجازة قصيرة لمن هم يعملون، ربما تُحدد بأيام معدودة، لكن ألم الفقد لا يُقاس بالوقت الرسمي الممنوح لنا للعودة كما كنا، خاصة في فقد من هم قريبون منا. فهو لا يظهر دائمًا على السطح، بل يتغلغل في أعماقنا، كأنه يعصر القلب بقبضة من وجع لا يُرى.
لكل منا طريقته في الإحساس بهذا الألم، لأنه مرتبط بمدى عمق علاقتنا بالشخص الذي فقدناه. كان فقدان والدي مختلفًا تمامًا عن فقدان والد أبنائي. مع والدي، استغرق الأمر مني وقتًا طويلًا لأجد طريقًا للسلام الداخلي، فقد كان الألم ممتزجًا بعدم مسامحة الذات، خاصةً لعدم وجودي بجانبه في لحظة رحيله.
لطالما كنت أمارس الكتابة، لكنني لم أكن أدرك أنها أداة فعالة في تخفيف وطأة الفقد أو مساعدتي على التعامل معه. شاءت الأقدار أن يكون تعاملي مع فقدان والدي الدافع لي لنشر كتابي الأول "باقة الأفكار"، والذي وُلد من رحم هذه الخسارة. كانت الكتابة والنشر بمثابة طريق لتخفيف 50% من ألم الفقد، لكنها لم تكن كافية للوصول إلى حالة التشافي التام.
الكتابة وسيلة للختام العاطفي
خلال تخصصي في ممارسات فنون الكتابة للتشافي، كانت أول جلسة لي مع زميلاتي حول التعامل مع الفقد، وهناك، ولأول مرة، أدركت أهمية الختام العاطفي (Closure). أحيانًا، نحتاج إلى فرصة للغلق—لحديث لم يُقال، لكلمات لم تُنطق، أو لأمور ظلت عالقة في دواخلنا. عندما كتبنا في تلك الجلسة، اكتشفت كم كان الحزن متراكمًا داخلي، وكم كان هناك عبء لم أواجهه بعد. كتبت رسالة غير مرسلة (Unsent Letter) إلى والدي، وكان ذلك ما احتجته لأبدأ رحلة التشافي.
الكتابة كأداة للصمود
من جمال الأدب العربي، نجد أن الشعراء كانت لهم قصائد الرثاء من فنون الشعر العربي ووسيلة استخدمها الشعراء العرب قديمًا إلى الآن للتعامل مع الفقد، ليس فقط كطريقة للتعبير عن الحزن، بل أيضًا كوسيلة لترك أثر طيب عن الفقيد وذكرى خالدة لمن رحلوا. هنا أود التأكيد أن الكتابة ليست مجرد تنفيس عن المشاعر، بل هي آلية للصمود، تمنحنا القوة على التحمل مثلما قام الشعراء بنشر قصائدهم رثاءً لمن يحبون، فهي أيضًا لنا كبرهان بآليات المستخدمة في التنفيس وحتما يمكننا أيضًا أن نكتب قصائد أو خواطر لتساعدنا في إيجاد معنى وسط الألم.
كيف نستخدم الكتابة للتعامل مع الفقد؟
كتابة رسالة غير مرسلة: التركيز على التعبير عن المشاعر العالقة، مثل الشكر على العطاء، أو الامتنان لفرصة التعرف على الفقيد.
كتابة خاطرة أو قصيدة: تسرد أجمل الذكريات مع الفقيد، مما يساعد على تخليد الذكرى الجميلة واستحضار المشاعر الدافئة بدلاً من الألم فقط. ولمن يجد الصعوبة في الكتابة يمكن البدء بـ"أتذكرك... " ثم سرد التفاصيل الحسية للمواقف المشتركة، مما يساعد على إعادة بناء الذكرى بشكل يجسد حضور الفقيد بطريقة مريحة.
بعضنا قد يجد صعوبة في الكتابة بمفرده، لذا يمكن الاسترشاد بمختص في الصحة النفسية أو ممارس في فنون الكتابة، أو حتى الانضمام إلى جلسات الكتابة الجماعية، حيث يتيح ذلك التعبير بحرية ضمن بيئة داعمة تساعدك على التعامل مع الفقد بشكل صحي ومثمر.
يقول الشاعر ابن زاكور:
"إِنَّ يَوْمَ الْفِرَاقِ أَحْرَقَ قَلْبِي
وَكَوَانِي الْفِرَاقُ بِالنَّارِ كَيَّا
إِنْ قَضَى اللهُ بَيْنَنَا بِاجْتِمَاعٍ
لاَ ذَكَرْتُ الْفِرَاقَ مَا دُمْتُ حَيَّا"
كما قال الشاعر بأن الفقد إحساس مؤلم، حتمًا عامل الوقت يعمل في التئام القلب والروح، إلا أنه إلى أن نصل ذلك الوقت، لتكن الكتابة معبرًا تمنحنا وسيلة لتخفيف شدة الحزن، لتصبح أداة تمكين في وقت نحن بأمس الحاجة لرفيق يكون معنا في فترة نقوم بلم الجراح الداخلي، فجرب رفيق القلم فهو رفيق يعطينا القدرة بأن نتنفس شيئًا فشيئًا.
المصادر:
الأكاديمية العالمية للتشافي بالشعر https://iapoetry.org
مركز للتدوين العلاجي https://journaltherapy.com

